“مرسى فاطمة” نعمة الهروب من الوطن!

د. محمد الأحمري[*]

 

coverحجي جابر، مرسى فاطمة، رواية، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2013م 254ص.

لعل حجي جابر تغير على قارئه وعلى الفن بين الرواية الأولى والثانية، فقد كان في روايته الأولى الرائعة الحاصدة لجائزة الشارقة يقص قدومه من الغربة إلى الوطن وتجلى في نصه شيء من الهيام والتغزل بوطنه الذي يكتشفه كبيراً وقد عاش بعيداً عنه فكان اللقاء الأول به حميميا وعودة ولو شكلية إلى الذات،  وكان محاولة جادة للقرب من أرضه وقومه والتعرف عليها.  بعض ذلك غمر روايته: “سمراويت”.

أما الرواية الجديدة فهي لقاء ومحبة لسلمى التي تغادر فجأة ولا يعرف إلى أين فيسجل في قائمة الملتحقين بالجندية مع أنه استطاع الخلاص من إلزامها ولكن عنده سببه الخاص فلعل محبوبته أخذت للمعسكر كغيرها، ويلتحق بالمعسكر باحثا عنها ثم يتأكد أنها ليست هناك بعد شدة بحث وبعد بؤس وضنك الحياة في المعسكر، يبحث عن من يوصله للسودان وتكون طرافة النص في المعسكر و وصفه وأهله وضباطه وفسادهم، ثم يجد “الشفتة” وهم متعهدو السفر للخارج، ويحملون للسودان تهريبا بكل فظائع الرحلة، وهناك في المعسكر يوقفك على حياة اللاجئين وعلاقات الناس في المعسكر وما يعانون، ثم يفكر في الهرب لإسرائيل ولكن زميله يقص عليه تجربته إليها فينقبض ويبقى، ويُعرض عليه السفر لإيطاليا فلا يقبل إلا البحث عن سلمى سواء كانت سلمى هي الزوجة أو البلد، ويكر راجعا إليها، وتنتهي الرواية بأن يعود البطل وسلمى كل منهما لبلده، ولكنهما لا يتلقيان، ويوم يبحث عنها في دارها يقال كانت هنا ورحلت، ويترك الرواي النهاية مفتوحة على الاحتمالات وأشواق اللقاء وتساؤلات القارئ عن الاحتمالات.

فهو يرصد البلد كمن عاش جحيم الوجود فيه، وعلى رغم الحب المغدق والمحرك لخطوات بطل النص، غير أن الحقيقة البارزة في كل زاوية تغلبه وتعيده المرأة إلى الواقع ساخرة بالحب، مشكلة الاستبداد والفساد المنتج للبؤس، وكأن الحب هو المهرب أو هو الوطن يوم يغيب الوطن؛ يحدثك عن جحيم الحياة في بلده ويأمل في نعيم الهروب منه. في نصه هذا: “مرسى فاطمة”  تجد البطل من السكان المسحوقين ولم يعد زائراً من الخارج بل مقيماً في الداخل يعاني من البدء هناك وينعم بالهروب، ثم تستعيده العاطفة إليه، وللنص مذاق البؤس في المنافي الطوعية، وكل هذا غرق في قضية إرتيريا ومآسيها، وهو تخصص يبني أدبا وعالما غاب كثيرا فيستعيد حضوره.

 هذا الغرق في المأساة هو حزن الرواية وهو حسنتها، فلا ترى هنا السائح الباحث عن بلده المشتاق للقائه، ولا الزائر السائح المستغرق في الحنين والرومانسية لذكرى وطن وتاريخ وهجرات، وإن كان صاحبنا يجيد سياق الحزن في النصين بطرق أقل مباشرة أحيانا، وأحيانا صريحة بكل ثقل حقيقتها أو خيالها، هو هنا في البلاد وقد وصلها ويعيش فيها ويحكي لك من داخل القصة والحدث والمأساة.

وفي الرواية خلاص من متلازمة “أدب ما بعد الاستعمار”، ذلك الأدب الذي يحمل المستعمرين مسئولية الإخفاق المحلي دائما، ومسئولية وكيل المستعمر على الممتلكات، إن الراوي يجعل المشكلة هنا محلية -وهي كذلك- مسئولية للقائمين على شأن البلاد، فلس هنا حالة تبرير ولا عذر للنفس من خلال تحميل مسئوليات فشل الحكومات التي ولدت بعد الاستعمار للمستعمرين فهم أحيانا خرجوا فعلا وانتهى دورهم.

بدءًا من الغلاف يحدثك الراوي عن كذبة وطن: “الوطن كذبة بيضاء .. يروج لها البعض دون شعور بالذنب، ويتلقفها آخرون دون شعور بالخديعة” ص7.  الكاتب أراد أن يقص قصة أبناء وطنه مع الهجرة واللجوء.  الرواية موضوعها الوطن محبوبا لسر محبة الأوطان، ومهروبا منه بسبب حاله، وتحزنك تلك المزايدة عليه من مستغليه، فكان أن خرج بنص جميل تجد في أعطافه وبدئه ومنتهاه صورا وأقوالا وأحوالا وتفكيرا في الوطن والهجرة غنية الوصف ولماحة الانطباع والتعبير.

فنيا ترددت الرواية كثيرا قبل أن تنطلق وتسلك طريقها، تنكدت وهي تبحث عن بداية، وبعد العسر أعقبه انطلاق الأحداث وتتابعها وكانت الرواية تعاني الخروج لا من أسمرة كما فعل بطل الرواية وبطلتها، ولكن من يد كاتبها، كان يحب الحديث عن هجرة الأرتيريين و وقوع كثير منهم في أيدي “الشفتة” ولكن طال عليه الطريق، وإن كان حديثه عن معسكر التجنيد الأرتيري أعطانا لمحة مهمة عن حياة المجندين المقهورين، حتى لنجد المنافي والملاجئ خيرا من معسكرات حماة الوطن في “معسكرات التجنيد” وقد وجدت الرواية موضوعها سالكا بل دراميا عندما بدأ البطل يحاول الخروج فعليا من أرتيريا، ويوم خرج ولقي “الشفتة” وجد سرد الأحداث طريقا سالكا متماسكا ، أما قبل أن يمسك بطريق الهروب فقد ترددتُ في طرح الرواية جانبا مرتين، لأنه تأخر في سيره و وصفه الدرامي، وأخّر الأحداث المهمة وإن ساعده التأخر في رسم بيئة الحدث، ولعلي رأيته أطال التمهيد لإقلاع نصه. أما في ثلثيها الباقيين فقد خفّت وسارت، وسقتها “أم أوّاب” حضورا إنسانيا وعاطفيا حياً.

بطلة روايته سلمى فقد صب عليها من الحب ميازيب، ولكن كل ذلك العطاء والجهد من الحب لم يبعث فيها الحياة، بقي رغم توقد البحث حبا باردا بعيدا كأنه زمن ذكرى باردة يتكلف له الحياة والوفاء والمغامرة ولكن تقاصرت الكلمات أو العواطف عن بعث الحياة فيه. فهل سلمى هي إرتيريا؟ يحبها ويبحث عنها ولا يجدها في النهاية؟ أم لعلنا نتكلف المجاز هنا، حين نجعل المحبوبة هي البلد والعكس؟

أما مقارنة هذه المحبوبة مع المرأة الحقيقية العجوز “أم أوّاب” فقد حركت المشهد بمواقف استطاع أن يؤنسنها، وكأني أرى في كاتبنا هنا متغزلا باردا، ولكنه واصف إنساني أقدر؛ ولا يضير الفنان ألا يمسك بكل موضوع، فما جئنا لنصوص الأدب كثيرا بسبب غزل ولا حب بل لأنها مطايا لمشاعر وأفكار ولحياة إنسانية ترسم في الخيال الذي يكاد يجعلها تعيش وتؤثر وتعمر وجودا آخر بجانب الوجود الحقيقي، فالأدب حياة بجوار الحياة، وقد تغنيها وتثريها مما يجعلنا نتوقع أنا نعيش في عالمها الافتراضي الجميل.

ونعود للوطن المروي هنا؛ فقصة الوطن هي قصة روايتيه الأولى والثانية،  في “مرسى فاطمة” قصّ علينا ما يمكن أن نسميه: “نعمة الهروب من الوطن” يقول حجي: “كانت لحظة مربكة أن يكون خلاصنا حين نعطي ظهورنا للوطن، حين نهرب منه بكل ما نملك من خوف وأمل وشك ويقين” ص 136. ويوم يغادر وطنا فإن وطنا آخر لا يقبله إلا حين يتخلى عن الأول: “اقترب السودان أكثر، فبدأت إرتيريا في الابتعاد، أنانية هي الأوطان لا يأتي وطن إلا حين يغادر الآخر، أجزم أن هؤلاء الذين يركضون إلى جواري [هاربين من الوطن] بقدر رغبتهم في الإفلات من الوطن يشعرون بالألم .. إن الألم الذي ضاق بناسه إلى هذا الحد صار واسعا جدا بالأوجاع.” ص 136. و”كلما بعدنا أكثر [عن الوطن] رخصت أشياؤنا إلى هذا الحد، وأصبحنا بلا قيمة” 179.

واقع وتاريخ الأدب يخبرنا الخبر اليقين أن هؤلاء المهجّرين من بلدانهم عبر العصور يصنعون بلدانهم في الواقع أو الخيال، ويعيدون تعريفها وتقديمها بطريقة أكثر صدقا ممن يبقون فيها، فهم شهدوا روحها في حسناتها وسيئاتها، وهم ذاقوا الحنين إليها، وعرفوا شرور من أفسدها، وهم من يستطيع تفسيرها فهم الذين كشفوها من الداخل والخارج، فمنذ قصص المصلحين الهاربين زمن إبراهيم عليه السلام، وإلى زماننا، ومن زمن الأدباء والشعراء، زمن أوفيد كان البكاء على روما التي هجّر منها، وإلى زمن سولجنتسن وعبد الرحمن المنيف، لم يعد القول ممكنا عن بلدانهم بدون شهادتهم، وهل يمكن الكتابة عن النضال والهجرة في إيطاليا دون مازيني؟ أو عن الثوار والمصلحين دون تاريخ نضالهم وهجرتهم؟ أو عن فلسطين دون المهجّرين؟ فإن سلب المهاجر وطنه فلن يسلبه التاريخ، لأن الوطن أصبح ميراثا في ثقافة العالم يوم يهرب منه من يبنيه في المخيلة ليثبت، إنه الوطن لا المتخيل ولكنه الوطن الثقافي العابر للحدود يحمل وصفها وصورتها للعالم، إن الشعور بالعدمية التي كتب عنها تصنع الوجود الثقافي الكبير، وهو وطن في مدينة الأدب .

 تلك هي أوطان المستبدين حين يعيدون رسم علاقة الناس بأرضهم، حين لا يبقى من الوطن إلا ذكرى بعيدة من اسم وشكل ومكان ميلاد، وأهمها مشاهد من لجوء الأرتيرين. أحببت هذه الحقيقة عندما يكتب عنها من يعرف أن شعبه يعانيها، فيصفها ويخرجها من ألم فردي ذاتي ليعبر عن حزن جماعي بمستوى شعب يعاني فقدان الوطن لصالح مستبد مستغل، وخسران شعب بسبب نزق فرد. يخرج من دائرة الصمت إلى تعريف العالم بقضية من خلال مأساة فردية، لم يستطع إبقاءها فردية فإذا هي مخيمات لجوء، وقصص حدود وتهريب بشر أقصاهم الاستبداد والبؤس للتشرد على الحدود في كل قطر تسرق بلادهم منهم، وتسرق حتى أعضاؤهم يجد اللاجئ نفسه مسلوب الكلية على الحدود بين بلدان بعيدة. الغريب في روايته أنك لا تكاد تجد السياسة صريحة، ولكن حجي كائن سياسي مستتر، غير صريح، فلا أسماء ولا تُهم مباشرة وعليك أن تجد السياق في مكان ما، فكما كتب عن تاريخ الثورة الأرتيرية في حوالي صفحة في سمراويت، عاد هنا للوطن وعرّف بمشكلته في سياق مباشر قصير رماه في زاوية من الرواية مع أن عبارة الغلاف الداخلي منذرة لك عند عتبات النص: “الوطن كذبة…” وكررها لتقف عليها مرة أخرى حين كشف عن ساعديه ليقول لك عن الوطن المخذول وخاذليه أو سارقيه. وعند اللاجئ قد تصبح عشة خيمة يلفقها في معسكر لجوء أرحم به من وطن يزوّر على سكانه وطنيته، ولكأنه يقول ذلك وهو يجمع أعوادا وخرقا يبني بها سكن الملجأ.

لا يكثر عليك، فقصة واحدة تكفي، وأحاديث الهاربين على الحدود، مأساة طويلة وحزن إنساني يؤلمك ولو لم تعشه، فكيف بمن كان زاده سواد يومه، كلها طرقات حزن وغربة ثم يقول: “الوطن البديل قد يبقيك حيا، لكنه لا يمنحك الحياة. هو بالضبط كزوجة الأب، مهما بدت حنونة لا تنسى أنك من امرأة أخرى”.  ولأن: “كل الطرقات تؤدي إلى عبودية جديدة” 236 إنه لا ينشد لك أنشودة الزركلي:

“العين منذ فراقها الوطنَ                  لا ساكناً ألفت ولا سكنا”

 فليست المشكلة فقط غربة ولكنه فقر ودكتاتورية، أو كما وصفها الزبيري في شكوى قديمة من حال وطنه اليمن: “جهل وأمراض وظلم فادح ومخافة ومجاعة وإمامُ” و مع جارف حزنه فهو وفيٌّ لوطنه تمنى لو يهبه خير ما يملك:

“بحثت عن هبة أحبوك يا وطني    فلم أجد لك إلا قلبي الدامي”.

في الرواية الكثير من كلمات غريبة إما تجرينية وأحيانا عربية مستعملة في الشوارع والتعيير قد لا تعرفها ولو بحثت عن معاني بعضها، وأخذ راحته في الشتم الشعبي أحيانا، حيث أظهر بعض الثقافة الحجازية لأرتيريين عاشوها و وجدوا صعوبة في التأليف بين ثقافة بلد ولدوا به وتشربوا لغته صغارا ثم سُفروا قسرا إلى خارجه، فهم خارجه غرباء في ما يقال عنه وطنهم الأصلي. ويبدو مستمتعا باستعراض بعضها الشتائم التي يصفها بـ “شتيمة معتبرة” كانت أحيانا ملحا للقصص. وبين لهجات الحجاز والسودان وأرتيريا، غير أن المنفي يجد حتى اللغات منافي فصيحة وعامية.  إن اللغة تصنف وتصنع طبقات من القيمة والأهمية للمتحدث وللموصوف ففي حين يدعون الرجل  بـ “زول” في السودان فإن يبخلون بكلمة: “زول” على الغريب الأرتيري أو الحبشي اللاجئ ولا يطلق عليه وصف “زول” إلا حينما دفع رشوة، فألقى المرتشي اللقب شكرا وعرفانا للراشي. في الملاجئ “الحبشي هنا هو كل غريب وسيء .. بينما الزول حكر على الأقارب الطيبين” 191

تلك لهجة أو لغة المغترب الضعيفة المعتذرة الشاكرة حتى للإساءة، التي وصفتها البنجلادشية المهاجرة إلى بريطانيا في روايتها: الشهيرة “بريك لين” وقد أشارت إلى أن المهاجر كثير الترديد لكلمتين في مهجره هما:  “شكراً و آسف”.

عندما تطرق باب الحزن فإن لديك قصة ومستمعا، لا أظنه قصد أن يمد رواق الحزن، ولكنه بالرغم منه ممدود من قبل ومن بعد. مشاهد حزن عميقة وأشخاص الرواية من الأبناء يقفون على قبور اللاجئين الآباء : “هنا يرقد آباؤنا وأجدادنا قدموا إلى حين تتحسن الأحوال ورحلوا دون أن يحدث ذلك.” 156 والأم اللاجئة يختطفون طفلها فتغير اسمه وتعطيه اسما جديدا هو التفاؤل بعودته، اسمه الجديد بعد زمن من الحزن إلى “أواب” أملا في أوبة ويمضي الدهر بالعمر ولكنه لا يؤوب، فتكتسب العجوز أمومة أوسع لسكان المخيم، وحنانا إنسانيا يحيط المشردين، وتصبح مأوى للبائسين واسع القلب والتعاطف. فقدت أم أوّاب ابنها فتفانت في العطاء، مرت هذه السيدة مرورا في الرواية ولكنها جاءت لصنع وجه الأم الإنساني، وتصل رسالتها الحكيمة:  “حين أدافع عن الآخرين فأنا أحمي نفسي” 165.

هذه رواية سياسية، فإن كان نقدي تلبس بالسياسة هنا فلأن: “الزعم بوجود نقد غير سياسي ليس إلا مجرد أسطورة تعزز انتفاعات سياسية معينة” إيجلتون، نظرية الأدب ص 331 “مرسى فاطمة” نص حي، وأحيا قضية، مع قليل من أخطاء نحوية، ص152.




[*] مدير منتدى العلاقات العربية والدولية، الدوحة

Twitter Digg Delicious Stumbleupon Technorati Facebook Email
Follow

Get every new post delivered to your Inbox

Join other followers: